كتبت : زينب حمزاوي

في أجواء عيد الأضحى المبارك، أنهت شبكة غصن الزيتون للجمعيات التنموية بصفاقس تنفيذ مشروع "أضاحي العيد 2026"، وذلك في إطار برامجها الإنسانية والاجتماعية الهادفة إلى مساندة الأسر محدودة الدخل ورعاية الأيتام وإدخال البهجة إلى نفوسهم خلال هذه المناسبة الدينية المباركة.

في ظل التحديات المتزايدة التي يفرضها التغير المناخي، خاصة على منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط التي تُعد من أكثر المناطق هشاشة أمام تداعيات الاحتباس الحراري، تبرز مبادرة إقليمية طموحة تحمل اسم " TeraMED"  كخطوة استراتيجية تهدف إلى إحداث تحول جذري في قطاع الطاقة بالمنطقة.

وتسعى المبادرة إلى تحقيق هدف غير مسبوق يتمثل في إنتاج " تيراواط  " واحد من الطاقة المتجددة بحلول سنة 2030، بما ينسجم مع التوجهات العالمية الرامية إلى تسريع الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون وتعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة.

وتأتي هذه المبادرة استجابة للالتزامات التي أقرها مؤتمر المناخ العالميCOP28 بدبي، حيث اتفقت نحو 200 دولة على مضاعفة إنتاج الطاقة المتجددة ثلاث مرات بحلول عام 2030.

ورغم ما تزخر به دول المتوسط من موارد طبيعية هائلة تؤهلها لريادة هذا التحول، فإن غياب التنسيق الإقليمي والرؤية المشتركة ظل عائقاً أمام استغلال هذه الإمكانات بالشكل الأمثل، وهو ما تسعى  "TeraMED"  إلى تجاوزه من خلال رؤية موحدة وبرامج عملية لإزالة الكربون وتعزيز التنمية المستدامة.

تحالف إقليمي واسع ومشاركة فاعلة للمجتمع المدني

تقوم المبادرة على شراكة تجمع مؤسسات ومنظمات دولية وإقليمية بارزة، من بينها مؤسسة المناخ الأوروبية، والاتحاد من أجل المتوسط، والمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، ومؤسسة الجزر الخضراء، إضافة إلى المركز الإيطالي لأبحاث تغير المناخ.

كما يلعب المجتمع المدني دوراً محورياً في إنجاح هذا المسار من خلال «الحوار المتوسطي حول الطاقة المستدامة والمناخ»، الذي يمثل منصة جامعة لمختلف الأطراف الفاعلة بهدف دعم انتقال طاقي عادل وشامل. وفي هذا الإطار، تتولى الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد» تنسيق جهود منظمات المجتمع المدني العربية في جنوب المتوسط وتعزيز التعاون بينها.

وفي تونس، تتجسد هذه الجهود عبر مبادرات وشراكات تقودها جمعية حماية البيئة والتنمية المستديمة ببنزرت بالتعاون مع شبكة «رائد»، من خلال تنظيم لقاءات وندوات وطنية وجهوية تهدف إلى تحويل الرؤى والاستراتيجيات إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.

محطات دولية لدعم المبادرة

وفي إطار التعريف بأهداف المبادرة وحشد الدعم الدولي والإقليمي لها، وضعت«TeraMED» برنامجاً متكاملاً من المحطات والفعاليات الكبرى.

 وستكون البداية من أسبوع نيويورك للمناخ، حيث سيتم استعراض أهداف المبادرة ورؤيتها على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل أن تنتقل إلى أسبوع القاهرة للطاقة المستدامة الذي سيشهد الإعلان الرسمي عن رسالة الحملة وآليات تنسيق جهودها في المنطقة.

كما تمثل المشاركة في مؤتمر المناخ العالمي   COP31بتركيا محطة محورية، حيث ستُخصص جلسات خاصة لتقديم هذه المبادرة المتوسطية الرائدة وتسليط الضوء على دورها في تسريع الانتقال نحو الطاقة النظيفة وتعزيز التعاون الإقليمي في مواجهة التحديات المناخية.

فوائد تتجاوز البعد البيئي

لا تقتصر مكاسب تحقيق هدف إنتاج "  تيراواط "  من الطاقة المتجددة على الحد من الانبعاثات وحماية المناخ، بل تمتد لتشمل آثاراً اقتصادية واجتماعية وتنموية عميقة على مستوى المنطقة بأسرها.

 فمن شأن هذا التحول أن يعزز أمن الطاقة ويضمن استدامة التزود بها، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل.

 كما سيسهم في خلق فرص عمل خضراء جديدة للشباب، وتحفيز الابتكار والاستثمار في القطاعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، إلى جانب تطوير الصناعات المحلية وسلاسل التوريد الداعمة لها.

 كذلك، من المنتظر أن يفتح آفاقاً أوسع للتعاون الاقتصادي والتكامل الإقليمي بين دول أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، بما يجعل من الانتقال الطاقي رافعة حقيقية للتنمية المستدامة والازدهار المشترك.

دعوة إلى تحرك حكومي عاجل

وتدعو الحملة حكومات دول المتوسط إلى تبني أهداف وطنية أكثر طموحاً في مجال الطاقة المتجددة، وتطوير الأطر القانونية والتشريعية الداعمة للاستثمار في هذا القطاع، إلى جانب تحديث شبكات الكهرباء وتحسين آليات التمويل وتعزيز التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

وتشكل الندوة الوطنية المنتظمة بالمعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس محطة مهمة لترسيخ هذا التوجه، من خلال تبادل الخبرات واستعراض الحلول المبتكرة، بما يجعل من حوض المتوسط نموذجاً عالمياً في تحويل التحديات المناخية إلى فرص للتنمية والازدهار والسلام المشترك.

بقلم: جيهان غديرة

ليس شهر رمضان في تونس مجرد ورقة تُقلب في التقويم الهجري، ولا مناسبة دينية عابرة، بل هو إيقاع حياة يعيد رسم ملامح الشخصية التونسية. في هذا الزمن المختلف، يهدأ الصخب اليومي، وتلين الوجوه، وتُفتح نوافذ الروح على فضاءات أرحب من التسامح والسكينة. وخلاله، تتحول الأزقة العتيقة، من نهج جامع الزيتونة إلى بطحاء باب سويقة، إلى مختبرات حية لترميم الروابط الاجتماعية التي أرهقتها سرعة الحياة العصرية، وتستعيد " المدينة "  وظيفتها الأولى: فضاءً للقاء والحميمية والتراحم.

من " جبل التوبة"  إلى مآذن جامع الزيتونة

تبدأ الرحلة من ربوة سيدي بلحسن الشاذلي، حيث يمتزج تحري الهلال بعبق التاريخ في حضرة ما يُعرف بـ" جبل التوبة " . هناك، لا يبحث التونسيون عن ضوء في السماء فحسب، بل عن إشارة رمزية لبدء معراج روحي يتخففون فيه من ثقل اليومي وضجيج المعيش. ومع إعلان ثبوت الشهر، تستعيد المساجد هيبتها التاريخية، لا سيما عبر أختام الحديث وصلاة التراويح، حيث يمتزج الخشوع بنغمات المقامات التونسية الأصيلة، في مشهد يزاوج بين التعبّد والجمال الفني.

خريطة المذاق: جولة في الأقاليم التونسية

تكتسب مائدة الإفطار في تونس أبعادًا رمزية تتجاوز قيمتها الغذائية، فهي الموعد المقدّس لصلة الرحم، ومرآة صادقة لتنوّع جهوي مذهل يختزل جغرافيا البلاد في أطباقها. ففي ربوع الشمال الغربي، يأخذ رمضان طابعًا جبليًا دافئًا؛ ففي الكاف لا يكتمل الاحتفاء دون طبق " البرزقان " ، ذلك الكسكسي الفاخر الذي يمزج بين ملوحة اللحم وحلاوة الفواكه الجافة، في تناغم يعكس سخاء الأرض والناس. أمّا في باجة، فتفوح رائحة المخارق والزلابية المقلية بالسمن، كأنها توقيع رمضاني خاص بالمدينة، يسكن الذاكرة قبل أن يستقر على المائدة.

وعلى امتداد الساحل، في سوسة والمنستير والمهدية، تمتزج زرقة البحر ببياض المآذن، وتملأ رائحة البخور والسمك  " المصلي" و" الكسكسي بالمناني" الأنهج، مضفية نكهة بحرية خاصة على مائدة الإفطار، فيما تتعالى حلقات الحضرة والأذكار في مشهد روحي يجمع الأجيال حول ذاكرة مشتركة.

ومن بنزرت شمالًا إلى بن قردان جنوبًا، تبرز عادة " الموسم"  في ليلة القدر كرباط اجتماعي متين، يقدّس الروابط الأسرية ويمنح العلاقات المستقبلية بعدًا احتفاليًا خاصًا، حيث يتسابق الخطّاب لتقديم الهدايا والذهب لخطيباتهم. هذا الطقس، وإن اختلفت تفاصيله من جهة إلى أخرى، يظل الخيط الناظم الذي يربط العائلات التونسية، محوّلًا رمضان من تجربة فردية إلى احتفال اجتماعي بامتياز.

التضامن… من الشعار إلى الممارسة

رمضان التونسي يرفض الانغلاق؛ إنه شهر الأيادي الممدودة. من مبادرات الهلال الأحمر التونسي والاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي، إلى موائد الرحمن الفردية، يثبت المجتمع المدني أن التكافل ليس فعلًا ظرفيًا، بل جينًا اجتماعيًا متجذرًا. هنا، لا يصبح التبرع مجرد صدقة، بل ممارسة مواطنة روحية تسعى إلى تقليص الفجوات الطبقية تحت خيمة الشهر الفضيل.

رمضان “الترند”… حين ينقذ الشباب الذاكرة

خلافًا للمخاوف من اندثار الهوية، نجح جيل “الزيد” في نقل رمضان التونسي إلى الفضاء الرقمي. عبر منصات تيك توك وإنستغرام، تحولت الجبّة والشاشية وأطباق السحور، مثل المسفوف، إلى ترندات بصرية تفاخر بها الجهات، ما خلق شكلًا من “القومية الغذائية والجمالية” الإيجابية التي أعادت الاعتبار للمنتج التونسي. لم ينفصل الشباب عن جذورهم، بل أعادوا تقديمها بلغة العصر، محوّلين الذاكرة الجماعية إلى طاقة حية متجددة، وساهموا في رقمنة التضامن عبر حملات خيرية إلكترونية تحشد آلاف المتطوعين في ساعات قليلة.

يبقى التحدي الحقيقي الذي يواجه التونسيين ليس في إتمام الصيام، بل في تحويل التضامن الموسمي إلى ثقافة دائمة. فرَمضان في تونس حالة استثنائية من المصالحة مع الذات والتاريخ، ومختبر سنوي يثبت فيه هذا الشعب قدرته على الابتكار دون انبتات، وعلى التحليق نحو المستقبل دون أن ينسى تراب الوطن.

« June 2026 »
Mon Tue Wed Thu Fri Sat Sun
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30